العلامة المجلسي

35

بحار الأنوار

عدم الاشتغال ببيان خصوص مصلحة ، فما بعد هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله تسلية له عن عدم إيمانهم وامتنانا عليه وعلى المؤمنين بهدايتهم لدين الاسلام ، أو لما هو مقتضى الحكمة والمصلحة ، ويجوز دخوله في الجواب توبيخا لهم ، وتبكيتا على عدم هدايتهم لذلك مع ما تقدم ، كذا قيل . ويحتمل أن يكون المراد أن المشرق والمغرب وما فيهما مخلوقه تعالى ومعلوله ، ولا اختصاص له بشئ منها حتى يتعين التوجه إليه ، فكلما علم المصلحة من التوجه إلى جهة لقوم يأمرهم بذلك " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " وهو ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس والأخرى إلى الكعبة . " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " أي عدلا أو أشرف الأمم ، فلذا هديناكم إلى أشرف قبلة وأفضلها " لتكونوا شهداء على الناس " يوم القيامة وقد مر تفسير الآية في كتاب الإمامة ( 1 ) وأن الخطاب إلى الأئمة ، وأن في قرائتهم عليهم السلام " أئمة وسطا " . " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " قيل : الموصول ليس صفة للقبلة ، بل ثاني مفعولي جعل ، أي وما جعلنا القبلة بيت المقدس إلا لامتحان الناس ، كأنه أراد أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة ، واستقبالك بيت المقدس كان عارضا لغرض . وقيل : يريد وما جعلنا القبلة الآن التي كنت عليها بمكة أي الكعبة وما رددناك إليها إلا امتحانا ، لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي بمكة إلى الكعبة ( 2 )

--> ( 1 ) راجع ج 23 ص 334 من هذه الطبعة الحديثة . ( 2 ) قال الشعراني مد ظله في بعض حواشيه على الوافي : ان بيت المقدس في جانب الشمال لمن هو بمكة ، ومستقبله مستقبل للشمال ، فإن كان المصلى في الناحية الجنوبية من مكة - شرفها الله - واستقبل الشمال أمكن أن تكون الكعبة وبيت المقدس كلاهما قبلة له ، ويكون مستقبلا لهما معا ، وأما إن كان المصلى في النواحي الاخر من تلك البلدة الشريفة لم يمكن استقبالهما معا . قال في الروض الأنف : وفي الحديث دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلى بمكة إلى بيت المقدس ، وهو قول ابن عباس ، وقالت طائفة : ما صلى إلى بيت المقدس الا إذا قدم المدينة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا فعلى هذا يكون في القبلة نسخان : نسخ سنة بسنة ونسخ سنة بقرآن وقد بين حديث ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة ، فروى عنه من طرق صحاح أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا صلى بمكة استقبل البيت المقدس فلما كان عليه السلام يتحرى القبلتين جميعا لم يبن توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة ، والله أعلم انتهى . وهذا مستبعد جدا بل محال عادة لان المسلمين كانوا محصورين ثلاث سنين في شعب أبي طالب وكانوا يصلون ، وليس هذا الشعب في الناحية الجنوبية من مكة ، وكان صلى الله عليه وآله يصلى في دار خديجة عليها السلام شرقي مكة ولا يمكن فيها استقبال الكعبة وبيت المقدس معا ، الا أن يلتزم أحد بأن المسلمين لم يصلوا في مكة منذ ثلاث عشرة سنة الا في الجانب الجنوبي من المسجد الحرام وأيضا فإنه صلى الله عليه وآله سافر إلى الطائف وصلى في سفره قطعا ، والطائف شرقي مكة ولا يمكن فيه استقبال مكة وبيت المقدس جميعا ، وهاجر المسلمون إلى حبشة وبقوا هناك سنين قبل الهجرة إلى المدينة المنورة ولا يمكن من الحبشة استقبال القبلتين ، الا أن يلتزم بأنهم لم يصلوا ، أو كان تكليفهم غير تكليف نبيهم صلى الله عليه وآله . والعجب من صاحب الروض الأنف مع كمال دقته وتفطنه لجوانب الأمور وأطرافها كما يعلم من تتبع كتابه كيف اختار هذا القول ، وبالجملة فالالتزام بوجود نسخين في القبلة أهون . وان لم يمكن أو استبعد ذلك ، فينبغي أن يقال : إن الكعبة كانت بيت المقدس ، الا أن النبي صلى الله عليه وآله لم يجعل الكعبة خلف ظهره قط ، بل كان يقف إلى بيت المقدس اما بحذائه إذا أمكنه ، والا فبحيث يكون الكعبة إلى أحد جوانبه ، وهذا تشريف منه للكعبة الشريفة وأدب لم يكن واجبا على سائر المسلمين والله العالم .